أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

20

شرح مقامات الحريري

والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ، ثم يعيدها عن ظهر قلبه هذا ويسردها سردا ، وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع ، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عمّا فيها وكان ربّما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطوره ، ثم هلم جرّا إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه ، ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة من إنشائه ، فيقرأ من النظم النثر ، ومن النثر النظم . ويعطي القوافي الكثيرة ، فيصل بها الأبيات الرشيقة ، ويقترح عليه كل عروض من النظم والنثر فيرتجله في أسرع من الطرف ، على ريق لا يبلعه ، ونفس لا يقطعه ؛ وكلامه كلّه عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم ومجاراة الخاطر ، وكان مع هذا مقبول الصورة ، خفيف الرّوح ، حسن العشرة ناصح الظرف ، عظيم الخلق ، شريف النفس كريم العهد خالص الود ، حلو الصداقة ، مرّ العداوة ، فارق همذان سنة ثمانين وثلاثمائة وهو مقتبا الشبيبة ، غض الحداثة وقد درس على أبي الحسين بن فارس ، وأخذ عنه جميع ما عنده واستنفذ علمه وورد حضرة الصاحب أبي القاسم بن عباد ، فتزوّد من ثمارها وحسن آثارها ، وورد نيسابور في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة فنشر بها بزّه ، وأظهر طرزه وأملى أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها وضمنها ما تشتهي الأنفس ، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام . وجدّ يروق فيملك القلوب ، وهزل يشوق فيسحر العقول . . . ثم ألقى عصاه بهراة فعاش فيها عشية راضية وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة ؛ ناداه اللّه فلباه . وفارق دنياه في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ؛ فقامت نوادب الأدب وانثلم حد القلم ، وبكاه الفضائل مع الأفاضل ، ورثاه الأكارم مع المكارم ؛ على أنه ما مات من لم يمت ذكره ، ولقد خلد من بقي على الأيام نظمه ونثره ؛ واللّه عز وجل يتولاه بعفوه وغفرانه ، ويحيّيه بروحه وريحانه » . وذكر الحصري رحمه اللّه تعالى في كتاب الزهر أن الذي سبب للبديع رحمه اللّه تأليف مقاماته ، وهو أنه رأى أبا بكر بن الحسين بن دريد قد أغرب بأربعين حديثا ، ذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره ، وانتخبها من معادن فكره على طبع العرب الجاهلية بألفاظ بعيدة حوشيّة ، فعارضه البديع بأربعمائة مقامة لطيفة الأغراض والمقاصد ، بديعة المصادر ، والموارد ، وانتهى كلامه . والذي جاء بها ، فيه قلة الامتاع للسامع من حديثها ، وفيها مقامات لا تبلغ عشرة أسطار فجاءت مقامات الحريري أحفل ، وأجزل وأكمل ؛ فلذلك فضلت البديعيّة ، وقد صرح علماء الأدب في كتبهم بتفضيل البديع على نظرائه من أهل زمانه ، ولقبه بالبديع يدل على قدره الرفيع ، قال : [ البسيط ] وقلّما أبصرت عيناك من رجل * إلا ومعناه إن فتّشت في لقبه